الذهبي

827

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

أصحاب الشَّيْخ الموفَّق . وقرأ الأصول على كمال الدِّين التّفليسيّ وغيره . وبرعَ فِي المذهب ودرّس وأفتى وصنف . وانتهت إليه رياسة المذهب ، تفقَّه عليه : ابن الفخر ، وابن أَبِي الفتح ، وابن تيميّة ، وجماعة من الأئمّة . قرأت بخطّ شيخنا ابن أبي الفتح : كان - رحمه الله - إمامًا فِي الفقه ، خبيرًا بعلم الأصول والعربيّة ، مشاركًا فِي غير ذَلِكَ ، شرح كتاب " المقنع فِي الفقه " شرحًا حسنًا فِي أربع مجلّدات ، وفسّر الكتاب العزيز ولكنّه لم يبيّضه ، وألقاه جميعًا دروسًا . وشرعَ في شرح " المحصول " ولم يُكمله واختصر نصفه . وكان له فِي الجامع حلقة للإشغال والفتوى نحو ثلاثين سنة متبرّعًا لا يتناول على ذلك معلومًا . وكانت له أوراد ، منها صوم الاثنين والخميس والذَّكْر من حين يُصلّي الصُّبح إلى أن يُصلّي الضّحى . وله مع الصلوات تطوع كثير . ويُصلّي الضُّحى ويُطيلها جدًّا . وكان له فِي آخر الليل تهجُّد كثير وتيقُظ وذِكر . وكان له إيثار كبير يُفطر الفقراء عنده فِي بعض الليالي ، وفي شهر رمضان كلّه . وكان مع ذَلِكَ حَسَن الأخلاق ، لطيفًا مع المشتغلين ، مليح المجالسة . سمع " صحيح مُسْلِم " على العَلَم السَّخاويّ ومن حضر معه على ما بيّن فِي نسخة ابن عساكر . قلت : أجاز لي مَرْوِيّاته سنة سبْعٍ وسبعين ، وقصدتُه لأسمع منه فقال لي : تعال وقتًا آخر . فاشتغلت ولم يُقدَّر لي السّماع منه . وكان مليح الشكل ، حَسَن البزَّة ، كثير التّطهُّر والنّظافة . وكان غالب أوقاته فِي الجامع وفي بيت المأذنة . وكان يجلس للإشغال إلى العمود الثاني الغربيّ الَّذِي تحت النّسر . توفي إلى - رحمة الله - في يوم الخميس رابع شعبان بين الصلاتين ، وتوفيت زوجته بالليل ليلة الجمعة ، وهي أمّ أولاده - حفظهم الله - ست البهاء بِنْت صدر الدِّين الخُجَنْديّ ، وصُلّيَ عليهما معًا عقيب الجمعة بجامع دمشق ، وشيّعهما الخلْق ، وكانت جنازة مشهودة ودُفنا بتُربته بسفح قاسيون التي شمالي الجامع المظفري . وكان معروفًا بالذكاء وصحّة الذّهن ، وجودة المناظرة ، وطُول النَّفَس فِي البحث ، وله ملك وثروة وحُرمة وافرة . وقد سُئل الشَّيْخ جمال الدِّين ابن مالك أنّ يشرح ألفيّته فِي النَّحْو فقال : زين الدين ابن المنجى يشرحها لكم . وكان قد